الثلاثاء 14 ذو الحجّة 1441 | 04 آب/أغسطس 2020

أفياء تربوية

بع الخاتم وأشبع به ألف بطن

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

                                 

                                         

 

د. أحمد بن عبد العزيز الحليبي

التباهي في اقتناء الكماليات الثمينة، والتفاخر بالمظاهر البراقة، والحرص على الترف في وسائل العيش سلوكيات انتشرت في مجتمعنا ، ماذا كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- الزاهد الورع فاعلاً لو رآها؟ الذي بلغه يومًا أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم، فكتب إليه (بلغني أنك اشتريت فصًا بألف درهم ، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم ، وأشبع به ألف بطن ، واتخذ خاتمًا بدرهمين ، واجعل فصه حديدًا صينيًا ، واكتب عليه : رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه ).

وددت لما سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- هذا لو أصغى له المترفون الذين يمتلكون في أرصدتهم الملايين ، ويعيشون حياة البذخ والبطر ، والإسراف في تناول الطعام والشراب واقتناء الأثاث والرياش ، والتوسع في سكنى الفلل والقصور ، والتباهي في ركوب أثمن المراكب ، والتفاخر في بعثرة المال يمنة ويسرة ، وإنفاقه بسعة في إشباع ملذات نفوسهم ، والسعي إلى كسب الشهرة بأية وسيلة فإن أقاموا مأدبة دعوا الناس إليها في أفخم الفنادق نجومية، وإن أرادوا السفر خارج البلاد قصدوا أكثر البلدان كلفة ، وأقاموا في أغلى منتجعاتها أجرة ، وإن أرادوا الإنفاق بسطوا أيديهم غير مكترثين بما هو حرام ، همهم أن يتمتعوا في هذه الدنيا بكل ما يمكن أن يشترى ويقتنى مما لذ وطاب وسر ، ولك أن تقول إن همهم في حياتهم استرضاء نفوسهم بالحلال والحرام غير مبالين بحاجة غيرهم من أبناء جلدتهم وقرابتهم وإخوانهم في الدين ، فكأنهم لا يعلمون أن إخوانًا لهم لا يجدون كفافًا من العيش فضلاً أن يجدوا كفاية منه تجعلهم يحيون بكرامة تليق بإنسانيتهم ، هلا تلفَّت أولئك المترفون حولهم لعل نفوسهم التي اعتادت على البطر وبطونهم التي ألِفَت التُّخَمَة أن تستشعر آلام الفقر، ووجع العدم، وضنك المسكنة، وشدة الفاقة، فيمدون يد الإحسان إلى إخوانهم الفقراء؛ مواساة لنفوسهم المنكسرة وتنفيسًا للمكروب منهم وتيسيرًا على معسرهم ، كم ستمنحهم هذه اللفتة لو فعلوها من معاني السعادة، ومن لذة الراحة، ومن شعور بالأنس بعد أن حرموا منها وهم يتقلبون في النعم وقد حجبهم عنها سور مضروب على نفوسهم من الكبر والغرور كم سيرون –بعيونهم- آثار إحسانهم في فرح المحزونين ، وانفراج همَّ المغمومين ، وإشباع بطون الجائعين ، وستر ظهور العارين ، وسيجد المبتلون بمرض أو فاقة فيما يبذل إليهم من مال يعينهم على نوائب الدهر.

هل لأولئك المترفين أسوة حسنة بالخليفة عمر بن عبد العزيز الذي زهد في الدنيا بعد أن نشأ في مطارف النعمة ، وقد كان يمشي في شبابه في سكك المدينة متبخترًا متكبرًا ، يرتدي أغلى الأردية وأثمن الأثواب قيمة ، ويتطيب بأجود أنواع الطيب الذي يشم من بعد ، لكنه عرف قدر نفسه ، واستطاع أن يحرر روحه من أسر المظاهر وعبودية حب الدرهم والدينار ، وأن ينتصر على نفسه الأمارة بالسوء الميالة إلى المتع والشهوات ، فقد ساءل نفسه لماذا ألبس الخز والديباج ، وآكل ما لذ من الطعام وطاب ، وأبالغ في الطيب وأسكن القصور ، والناس من حولي يجوعون ويعرون ولا يجدون ما يقيهم البرد والقر ؟ لقد أجاب عمر -رحمه الله- عن هذه الاستفهامات وفطن لما تحتوي عليه من معاني وما تقود إليه من مصالح ، وأعانه على صحة الإجابة ما تعلمه من القرآن، وما تلقاه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما أخذه من فقه علماء المدينة وفقهائها، وما شاهده من سلوك زهادها ، فما لبث يخلص نفسه من هذا الأسر المُطْبِق على القلب رويدًا رويدًا حتى اعتدل في مسلك حياته مجتنبا ما كان عليه في شبابه من حياة السرف والترف.

فلما ولي الخلافة بعد موت سليمان بن عبد الملك -رحمه الله- أخذ نفسه بالزهد؛ ليزداد شعورًا بأهل الفاقة والمسكنة فلا يتعالى عليهم ، ولا يهمل قضاء حوائجهم وتأمين لوازمهم ، وليكون أرقَّ على الضعفاء وأعطف قلبًا على الفقراء ، لم يعجبه أن يدعو الناس إلى ترك الترف وهو يملأ بطنه كل يوم خبزًا وأدمًا ، ويتفنن في تناول أنواع من طعام الشام وفاكهته ، فاكتفى بالقليل من الزاد الذي يقيم الأود، ولبس المتواضع من الثياب الذي يستر العورة ، فعل ذلك وهو يعلم أن التمتع بالطيبات والزينة في اعتدال وقصد من المباح الذي لا يحرمه الإسلام ويرغب في أن تظهر نعمة الله على متبعيه ؛ لكنه أراد أن يكون ذا إرادة قوية منتصرًا على شهوات نفسه ورغباتها ؛ سلك مسلك الزهد ليستشعر - وهو في موطن الخلافة والمسؤولية- آلام المحتاجين والمعوزين من رعيته ، وأعانه على ذلك تعلقه بربه وتذكره الآخرة ؛ لذا كان انزعاجه شديدًا لما بلغه أن ابنه اتخذ خاتمًا بألف درهم تشبع ألف بطن ، فلم يقره على سلوكه ، وأمره ببيعه ، واتخاذ ما يقوم مقامه مع تواضع في النوع وقصد في الثمن ، فكم الذين يمكن أن يستغنوا عن خواتمهم الثمينة وسياراتهم الفارهة وما ماثلها من الكماليات الغالية فينفقوا قيمتها في شراء طعام يشبع بطون جياع المسلمين وتعليم أطفالهم وعلاج مرضاهم وسد خلتهم ، كم يستطيع هؤلاء أن يسهموا ببعض أموالهم إذا تنازلوا عن بعض حظوظ أنفسهم وإغراقها في الملذات في دعم جهات خيرية تأوي اليتامى ، وتعول الأرامل ، وتساعد المحتاجين ، وتغيث المنكوبين ، وتعلم القرآن وأحكام الدين ، وكم يستطيعون إذا بذلوا من فضول أموالهم أن يقيموا من مشاريع تعليم الفقراء صنعة تمنحهم خبرة يطلبون بها رزقهم بكرامة وعزة ، وتحولهم إلى أفراد عاملين يشاركون في بناء وطنهم ونهضته ، كم وكم سيكون لبذلهم من أثر لو قرؤوا كتاب عمر وتأملوه بنظرة ثاقبة، وروح كريمة، وإرادة قوية محبة للخير! ..

 

طباعة