الأربعاء 3 ذو الحجّة 1439 | 15 آب/أغسطس 2018

أفياء تربوية

هل يعود أبي!؟

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
( لقد فقدت والدي، لن يحبني أحد بعد اليوم، سأكون وحيدة في مواجهة الأخطار ). تلك كانت كلمات ابنة أختي الصغيرة وهي تحتضنني بقوة ودموعها لا تكاد تتوقف ،وبإماءة من رأسي فهمت أنني استحثها للتعبير عن مزيد من مشاعرها ومخاوفها..اختنق صوتها وهي تردد :
( أنا السبب في موت بابا لقد كنت مشاغبة ودائما ماكان بابا يقول لي اهدأي يا ابنتي أنا مريض...). ثم بنظرات آملة تطلعت لي وسألتني :خالة هل سيعود أبي؟؟
شعرت أن من واجبي أن أكون أكثر هدوءا وصراحة وأنا أجيب الصغيرة فقلبي يكاد أن ينفطرحزنا لأجل أختي التي فقدت زوجها الذي تعلقت به ولكن كان قضاء الله أن يفارقها هي وابنتها ذات الخمسة أعوام ...
_لا يا ريم لن يعود يا حبيبتي بل نحن من سيلحق به عندما يأذن الله بذلك ولست أنت السبب في وفاته لكن عمره انتهى ولأن الله أراد له الخير .

تمسكت الصغيرة بي بخوف وهي تهتف :
لا أريد أن أموت مثل بابا ولا أريد أن يضعوني في التراب مثل مافعلوا به.
ضحكت وقلت لها:
كل المخلوقات تموت يا صغيرتي لأننا ضيوف هنا والجنة تنتظر المؤمن وهي داره التي سيستقر فيها ولن يموت بعد ذلك أبدا، كما أن المؤمن بمجرد أن يوضع في قبره تصعد الملائكة بروحه إلى السماء ثم يجازي الله هذه الروح بأن تستمتع في الجنة هل تعلمين ماذا أعد الله للمؤمنين في الجنة؟؟
أشرق وجه الصغيرة بإبتسامة طفولية رائعة وهي تقول :
نعم لقد أخبرتنا المعلمة أن في الجنة كل ما نحب من ألعاب وحلوى وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،لكن هل تعلمين أجمل مافي الجنة ياخالة؟ ؟؟إنه بابا حبيبي
صفقت لها وقلت لها :
أحسنت يا ريمي الغالية ،لذا عليك أن تكثري من الدعاء له لترتفع درجته هناك وتكثري من العمل الصالح لكي تجتمعي مع أبيك في الجنة ،
بدت الصغيرة مقتنعة بعض الشيء ولكن بدى على وجهها القلق وهي تقول:
خالة أخاف أن تذهب ماما أيضا وتتركني ؟؟
 بإذن الله ستبقى ماما معك وتهتم بك وكلنا سنهتم بك وخاصة جدك وأخوالك وأعمامك ..كلنا نحبك ..ما رأيك لو أصبحت تنادي جدو مثلي أنا وأمك بأبي؟

بدت الفكرة رائقة لحبيبتي الصغيرة وقالت:
يعني سيكون لي أب آخر غير بابا؟
أومأت برأسي أن نعم،واستمعت لها وهي تقول :لكن لن  أذهب للمدرسة الجميع لهم أب إلا أنا .
مسحت على رأسها وأنا أسألها:
هل تعرفين يا ريم أن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أبويه وهو صغير ،ورضي بذلك وأصبح نبي الله، وهو أفضل الخلق فقد صبر وكان قويا ثابتا،
نعم أخبرتنا المعلمة بقصة الرسول صلى الله عليه وسلم ،يعني سأكون مثل الرسول وسأقول لزميلاتي ذلك عندما يعلمن أن بابا قد مات .
شجعتها وقلت لها :
أحسنت ما شاء الله أنت مثل رسول الله ولكن عليك أن تكوني قوية مثله.
ضحكت ريم وهي تحتضنني وتهتف :
نعم سأكون قوية وسأحفظ كتاب الله لألبس أبي التاج هكذا أخبرتنا المعلمة
أنت رائعة يا ريمي وهل ستشاركين في حلقة التحفيظ؟
أبدت موافقتها وهي تتمسك بأحضاني أكثر ،وتحاول أن تخفي دموعها ،ولم أمنعها من الاسترسال في التعبير عن حزنها لأني أعلم أن هذا سيخفف عنها كثيرا وأنها مع تعاملنا التربوي المتوازن ومحاولة تعويضها حنان أبيها من جميع الأطراف سرعان ما ستنسى وستعود لحياتها كأي طفلة مقبلة على الحياة ببراءة وشغف وتطلع لمستقبل مشرق بإذن الله.
نتفق جميعا أن حدث الموت صار مألوفًا لدى الجميع صغارا وكبارا لكثرةِ الحروب والقتل والحوادث، وأصبح الصغار يشهدون معنا صور الموت في كل مكان ...على التلفاز ،وفي وسائل التواصل ،وحتى في حوارنا وأحاديثنا غلب عليها الحديث عن فاجعتنا في كل بلاد المسلمين ،بل من الاطفال من يواجهون الفقد وموت ذويهم مباشرة وخاصة في المناطق التي ابتلاها الله بالفتن نسأل الله أن يرفع الغمة عن الأمة، لذلك من المهم أن نعي جميعا كيفية التعامل مع قضية الموت بالنسبة للصغار وكيف ندفع عنهم شبح الاضطرابات النفسية التي شاعت بينهم في زمننا بشكل مخيف ومفجع:
لابد من كسر حاجز الخوف من الموت عند الاطفال حتى لا يتخذوا موقفا سلبيا من ربهم الذي يأمر بقبض الأرواح ، وحتى يتقبلوا حقيقة الموت بشكل إيجابي، وأخبروهم أن المؤمن إذا مات دخل الجنة ووجهوه إلى ما في الجنة مما يحبه وأنها أفضل من الدنيا بالنسبة للمؤمن.

من المفيد استثمار التجارب التي توفّرها الحياة من موت حيوان أو صرصار أو حتى نملة للحديث عن الموت مع الأطفال كي يفهموا معنى الموت تدريجاً.
من الخطأ إخبار الصغار حين يسألوا عمن فقدوا بالموت أنهم سافروا، أو أنَهم ناموا، أو ذهبوا إلى السماء، أو ذهبوا إلى مشوار قصير، ثم يعودون؛ ظنا بأن الحديث عن الموضوع قد يضر بالطفل كونه لا يستطيع التّعامل مع هذه الحالة الصعبة، أو لأنه لن يدرك حقيقة الموت.  لا بد من العلم أن هذه المعلومات سترتسم في ذهن الطِّفل حرفيا على هذا النحو، وسوف تترك في نفسه جرحا غائرا حين يعي الحقيقة ويدركها، تجنبوا الأكاذيب وأنصاف الحقائق وأخبروا الصغار بالحقيقة بطريقة بسيطة تناسب أعمارهم وفهمهم لمسألة الموت ،نعم لا نقدم لهم التفاصيل ، لكن من المهم أن يكون كلامنا حقيقيا ، ولنتذكر أن عالم الخيال لدى الصغارواسع جداً، وعندما يشعرون بأننا نخفي عنهم الحقيقة فإنهم يميلون إلى سد الفجوات عبر عالم الخيال، وتخيلات الأطفال تجاه الموت قد تمثل خطرا كبيرا على نفسياتهم وسلوكهم.

لا بأس أن يشعر الصغار بانفعالات من حولهم عند سماع خبر الموت كالبكاء دون جزع وتسخط.
وبالمقابل نسمح لهم بالتعبير عن انفعالاتهم ومشاعرهم عن طريق  الحوار والقصص والرسومات والتلوين .
إحاطة الصغار بجو من الحب والعطف والإهتمام والحوارالهادف ،هذا هو المنهج النبوي في موقفه صلى الله عليه وسلم من أبناء جعفر رضي الله عنه ومن عمير حين فقد النغير.
قد يشعر الصغير بالذنب تجاه وفاة من يحب، لذا عليكم مناقشة فكر الطفل والتأكيد علي أنه ليس مسؤولا بأي شكل من الأشكال عن الوفاة.
خففوا عنهم مشاعر النقص بإخباركم لهم بأن أعظم الناس صلى الله عليه وسلم فقد والديه وهو صغير ولكنه كان صابرا وقويا.

على الطرف المتبقي أن لا ينسى في غمرة حزنه وانشغاله بالعزاء أن الطفل بأشد الحاجة لاهتمامه وحبه وإشعاره بالقبول.
على المعلمات والمعلمين تهيئة زملاء الصغير حتى لا يصبح هؤلاء الزملاء مصدر ضغط نفسي عليه.
لا بد من الالتزام بالروتين اليومي الذي اعتاده الطفل الفاقد قدر المستطاع و تشجيعه على عدم الغياب عن مدرسته بل ويحرص على شغل باقي وقته بأنشطة مفيدة تجعله يثق بنفسه وينسى حزنه ويشعر بالأمان.
على الجميع الحرص على تربية هذا الطفل الذي مات أحد أبويه التربية الثابتة دون إفراط أو تفريط مع الحرص على تنشئته التنشئة الدينية التي تجعل منه الابن الصالح الذي يصب عمله في ميزانه وميزان أبويه.

تجنب السخرية أو التعنيف في حال أخبرالطفل أنه شاهد المتوفى أو تحدث معه،  فهذا شكل طبيعي لحزن الأطفال، فقد يصاب الطفل بمايسمى هلوسة سمعية أو بصرية.
دعواتنا أن يلهمنا الله جميعا الرشد والصواب وأن يوفقنا لتربية جيل مسلم قوي في جسده وفي شخصيته سليما معافى في عقيدته وفي سلوكه وتصوره لكل حقائق الدارين التي وجهنا لها الكتاب والسنة.

طباعة