الأحد 20 صفر 1441 | 20 تشرين1/أكتوير 2019

أفياء رمضانية

رمضان يتفائل

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
بقلم أ.أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
منذ أشرقت الدّنيا بنور الإسلام، تعرّض هذا الدّين الخاتم لصنوف من العدوان والمكر المتعاقب، وتولّى كِبر ذلك ووزره كفّار ومنافقون وفسّاق وأغرار ومستعجلون، ومع ذلك فلن ينطمس أثر الدّيانة إلّا على أبواب الآخرة حين لا يخطو على الأرض غير شرار الخلق والعياذ بالله.
ومن عظيم تدبير ربّنا الذي هو كلّ يوم في شأن سبحانه، أن ربط نصرة الملّة وتجديدها مع أصول لا تزول، فحفظ لنا القرآن والسّنّة، وأبقى الشّعائر وجعل تعظيمها من تقوى القلوب، فالآذان والصّلاة تميزنا وتجدّد العلاقة بالله، والحج يجمعنا من الفجاج ليؤكد وحدتنا، والزّكاة تنعش معاني الإخوة وتبعث الرّوح في الشّبكات الاجتماعية، وللصّيام ورمضان خبر وأيّ خبر.
فما إن يقترب رمضان حتى تهبّ الجموع لتحري هلاله المحبوب بالعين والمناظير، أو تحسب له المراكز حسابه، وبعيدًا عن الجدل الفقهي؛ تشعل هذه الأُهبة جذوة الإيمان في نفوس العباد، لأنّها تعني أنّ النّاس ينتظرون هلالًا يستلزم ظهوره امتناعهم طوعًا عمّا فُطروا على حبّه إرضاء لمولاهم، وإنّ أمّة تتوخى مرضاة معبودها سبحانه في ترك مرغوباتها لأمّة لا تزال حيّة، والأمل في يقظتها لم ولن يموت مهما تناءت عن الأصل في سائر أيّامها.
وإلى هذا السّياق المتفائل تنصرف جميع الاستعدادات الحلال لاستقبال رمضان الميمون سواء كانت في جانب تعبدي، أو معيشي، أو أسري، أو تجاري، أو مجتمعي، فلا ينشط لهذه الأعمال إلّا أقوام عندهم للموسم وقع مختلف، وله مكانة خاصّة بينهم، ولم تأت هذه المنزلة من الحواشي والكلاليب الخاطفة عن معانيه وفضائله، بل أتت مقترنة مع تعظيم رمضان وتقدير قيمته الباسقة، وهذا يجعلنا نتفاءل بمستقبل آتٍ بخير عميم وإن تثاقلت خطاه، وزاد عثاره، وكثرت حواجزه.
كما يمنحنا رمضان الفأل الكبير بأنّ جلّ النّاس مهما ابتعدوا عن تعاليم دينهم وأوامر شريعتهم، فهم إليها سيرجعون، وعودتهم ليست مستحيلة بل نعاينها عامًا بعد عام في المساجد والمحافل والتّسابق إلى الخيرات؛ فليس حقًا وصم المجتمعات بالهلكة، والنّظر إلى الأحوال بمنظار متشائم حتى لو كانت صور الواقع كالحة، فيا عباد الله تفاءلوا واعملوا!
وينشر رمضان الفأل الحسن بإقبال الغالبية على كتاب ربّهم، وإنّه لمن الهجران والجفاء وسوء الصّنيع أن يكون هذا الكتاب العزيز المهيمن بين أيدينا ثمّ لا نقارع به ظلمات الباطل ونصرع شبهاته، بينما هو معجزة نبينا عليه السّلام الخالدة، والسّبب الأكيد لانقشاع ظلمة الكفر عن قلوب خير القرون وعقولهم، وما أوثق الصّلة بين القرآن ورمضان، وما أمضاه من سلاح بأيدينا لو نجحنا في ردم الفجوة بينه وبين المسلمين، فما أيسره وأعظم آثار تدبّره والعيش مع إشراقاته.
ومن خفي الفأل الرّمضاني إقصاء النّفاق؛ فلا مكان لاستعلاء نفاق في ديار المسلمين، ولذلك يحترز المنافق كي لا يظهِر فطره، وينكفئ الخبيث على نفسه متجرّعًا الغصص حذرًا من ردّة فعل العامّة التّلقائيّة لو أبدى استهانته بهذه الشّعيرة المعظمّة.
كما يشمل رمضان بفأله الحسن بلاد المسلمين ومجتمعاتهم، إذ يقضي على التّشرذم فتؤدي الأمّة المحمّديّة كلّها عبادة واحدة، بطريقة متقاربة، في ذات الزّمن وإن تقدّم بعضهم أو تأخر، وإنّ هذا التّوافق ليزيح عن نفوس أفراد أمّتنا ماران على القلوب من خلاف، وما أفسده نكد الدّنيا ومنغصّات الأهواء بين إخوة المعتقد، وأصحاب المصير المشترك، والمصالح المتقاطعة.
إنّ شهرًا يُستقبل بالفأل، ويمضي بفأل إثر فأل، وينتهي على فأل بالقبول ومغفرة الذّنوب والخطايا، وتجديد الصّلة بخالقنا وشريعته، لشهر جدير بالاحتفاء والإجلال، وحقيق بأن نشيع فيه ثقافة الفأل داخل أنفسنا، وفي أوساطنا، ومجتمعاتنا، وبلادنا، وبين أبناء أمّتنا المنتشرين في أصقاع المعمورة، والحمدلله الذي هدانا لهذا وماكنّا لنهتدي لولا فضله ورزقه وإحسانه.
 

طباعة