الإثنين 18 رجب 1440 | 25 آذار/مارس 2019

أفياء رمضانية

الدروس التربوية من المدرسة الرمضانية

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

فرض الله علينا الصيام بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، فدخلنا جميعاً في مدرسة تربوية تربينا فيها على كثير من الأخلاق والخصال الحميدة، وشعرنا وشاهدنا التغير الجميل في أخلاقنا بعد أن عشنا هذه الدروس التربوية في المدرسة الرمضانية السنوية.

فمن الدروس التربوية للمدرسة الرمضانية التربية على التثبت قبل الحكم على الأشياء والأشخاص والأحوال وعلى عدم الاستعجال في إصدار أحكامنا، ففي الحديث: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين،[فنحن لم نصم إلا بإتمام ولم نفطر إلا برؤية وبعد تأكد وإثبات، وفي رمضان نأكل ونشرب حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود، ولا نفطر إلا متيقنين بغروب الشمس، لذا ربتنا هذه المدرسة على أن نتثبت ونتقين في أمورنا وأحكامنا ولا نطلقها جزافاً ولا ننشر أي قول أو خبر ألا بدليل وتثبت.

ومن دروس المدرسة الرمضانية أنها عودتنا على الحلم وكظم الغضب، فالحلم سيد الأخلاق والغضب من الشيطان، وفي الحديث: فإن امرؤ شاتمه فليقل: إني صائم، فلا أغضب ولا أجهل عليك لأني صائم، فالصوم رباني على الحلم، ولذا قلت الخصومات والمشكلات الاجتماعية والوظيفية والأسرية في المجتمع، لأن الغضب ألجم بلجام الصوم، والمأمول أن يستمر المسلم على التحلي بالحلم الذي هو أحد الخصال التي يحبها الله تعالى.

ومما ربتنا عليه المدرسة الرمضانية حفظ ألستنا عن أي قول فيه أثم أو تجريح أو فيه خوض في أعراض المسلمين، لأن من لم يحفظ لسانه عن أعراض المسلمين في رمضان فإنه ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ففي الحديث: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

أما درس الجود فقد تنافسنا فيه في هذه المدرسة الرمضانية، جود بالمال وجود بالوقت والجهد والجاه، فأيدنا سخية ونفوسنا خفيفة وصدورنا منشرحة، كيف لا تربينا هذه المدرسة على الجود وحبيينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، وإن من أعظم الجود الذي بذله كثير من الصائمين هو أنه كف أذاه عن إخوانه المسلمين وهذا أعظم الجود، فأفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده.

والاجتماع والوحدة والمودة والتقارب ونبذ الفرقة والخلاف مما ربتنا عليه المدرسة الرمضانية، ألم تجمعنا في صلاة التراويح والقيام، وعلى موائد الإفطار الجماعي، وجمعة كثير من المسلمين في الحرم المكي والمدني في منظر بهيج يريح المؤمنين ويغيض أعدائهم، وهذا الدرس الرمضاني أكد لنا أن اجتماعنا ووحدتنا قوة وأن تفرقنا وخلافنا ضعف وشر.

ومن أعظم الدروس التربوية للمدرسة الرمضانية أن علقتنا ببيوت الله المساجد، فكانت ترتص فيها الصفوف بالمصلين في الأوقات والتراويح ورأيناها تزدان بالقراء والمعتكفين، ورأينا من يتسابق إليها مع الأذان أو قبله، فكان للمساجد في هذه المدرسة شوق وحنين تعلقت معه قلوب الصائمين بها، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ورجل قلبه معلق بالمساجد".

كما ربطتنا المدرسة الرمضانية بكتاب الله عز وجل القرآن الكريم، قراءة واستماعاً وتدبراً وتفسيراً، لأن هناك علاقة قوية بين مدرسة رمضان والقرآن، فـ "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"، كما كان جبريل عليه السلام يدارس حبيبنا صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، والمأمول أن يستمر أثر هذا الدرس في نفوسنا ويستمر ارتباطنا بالقرآن بعد رمضان، وإذا ارتبطنا بالقرآن فسوف تتغير نفوسنا وأحوالنا إلى خير بإذنه سبحانه.

وربتنا هذه المدرسة على ضرورة أن نعفو عن إخواننا المسلمين، وأكدت على هذا الخلق في العشر الأواخر من رمضان، فكنا نردد كل ليلة وبعضنا في كل وقت: "اللهم غنك عفو تحب العفو فاعف عني"، فالله سبحانه يحب العفو أي يحب أن يعفو عن الناس، ويحب العفو أن يعفو الناس عن بعضهم البعض، فهو سبحانه يحب العافين، لذا ولكي نحصل على عفو ربنا عفا كثير من الناس عن إخوانهم وتصالحوا وتصافوا، والمأمول أن هذا الدرس العظيم يستمر أثره في نفوسنا فنعفو عن كل من أخطأ علينا، ويسود العفو في مجتمعنا.

وعززت المدرسة الرمضانية مفهوم التربية الأسرية وأكدت على التقارب بين أفراد الأسرة، فاجتمع أفراد الأسرة واجتمعت الأسر في أوقات مختلفة وخصوصاً وقت الإفطار والسحور، لقد استشعر كثير من المسلمين هدي النبي الكريم في ذلك، فكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، مما يدل على قربه منهم، مع أنه كان معتكف، وتشير الدلائل إلى أن التقارب الأسري يعالج الكثير من المشكلات الأسرية والاجتماعية ويعزز الكثير من الأخلاق والقيم الإسلامية، فما أعظم هذا الدرس التربوي.

ومن بين الدروس التربوية للمدرسة الرمضانية أنها غرست بين المسلمين الرحمة والتراحم وحققت التكافل الاجتماعي بينهم، وزادت الصدقات وانتشر التعاون والتطوع، وختمت أيام الصيام بزكاة الفطر التي هي طعمة للمساكين، وسعى الكثير إلى تحقيق ذلك امتثالاً لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: لن تؤمنوا حتى تراحموا، واعتقد أن المجتمع المسلم إذا استمر على هذا النهج في الرحمة ستتحقق فيه كثير من الإنجازات الاجتماعية.

أخيراً: للمدرسة الرمضانية دروس تربوية كثيرة حريٌ بالمسلم الاستفادة منها بعد أن تربى عليها في هذه المدرسة.

----------------------

بقلم د. حمد بن عبدالله القميزي – أستاذ المناهج وطرق التدريس المشارك

طباعة